القارئ والمرتزق
هل يُمكن تعلّم فنّ الحُكم من كتاب، أم لا سبيل إليه إلا بالدربة والممارسة؟ رحلةٌ في الحكمة العملية للسياسة من أثينا وبغداد إلى عتبة الحداثة
“ والسّياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها فإنّها خفيّة. ولعلّ أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال وينافي الكلّيّ الّذي يحاول تطبيقه عليها. ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر كما اشتبها في أمر واحد فلعلّهما اختلفا في أمور فتكون العلماء لأجل ما تعوّدوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض إذا نظروا في السّياسة افرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم.”
ابن خلدون - فصل في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها
ثمة مشهدٌ صغير في مسلسل “صراع العروش” (Game of Thrones) — من ابتكار العمل التلفزيوني، لا أثر له في الروايات — ظلّ عالقاً في ذهني أطولَ مما علقت أكثرُ معاركه.
قزمٌ يجلس إلى مكتبه، محتمياً خلف متراسٍ من كتب التاريخ. إنه تيريون لانيستر (Tyrion Lannister)، أذكى رجلٍ في مملكةٍ تحتقره لقِصَر قامته — وقد وجد نفسه فجأة مكلَّفاً بالدفاع عن عاصمة مملكته ضد حصار آتٍ لا محالة. لذلك يفعل ما يفعله الأذكياء حين يوشك العالم على الانهيار: يقرأ. فهو على يقينٍ من أن سرّ نجاة المدينة من الحصار كامنٌ في مكانٍ ما بين تلك المجلّدات.
وفي الجهة المقابلة من الغرفة يتمدّد برون (Bronn)، المرتزِق الذي رفعه تيريون إلى منصب المسؤول عن أمن المدينة، وبينما هم في جدل حول جدوى قراءة مثل تلك الكتب، يذكر برون عَرَضاً أن السرقات شهدت تراجعاً ملحوظاً في أنحاء المدينة. كيف؟ ببساطةٍ، أمر رجاله بأن يعتقلوا كل لصٍّ يعرفونه. يتردّد تيريون أمام هذا — فالرجال المكبّلون الآن لم يقترفوا جُرماً، بل سُجنوا لسمعتهم لا غير. إلا أن برون يصدر عن شيءٍ لا تمنحه الكتب، فقد عاش حصاراً بالفعل. وهو يدرك ما تميل السجلّات إلى إغفاله، وهو أن الذي يرهق مدينةً محاصرة ليس الجيشَ الرابض عند الأسوار فحسب، بل أيامُ الجوع التي تعقب إغلاق الأبواب. أما اللصوص فيحبون الحصار، لأنه ما إن تغلق المدينة، وينشغل كل ذي شأن بشأنه، يهرعون إلى مخازن الغلال فينهبون ما فيها، وحين يصبح الطعام أغلى من الذهب، يغدو اللصوص أغنى من بالبلدة حين ينقضي الحصار.
ولا يزال تيريون وأمثاله يفتّشون في كتبهم عن حكمة تدبير السياسة، بينما يملكها برون وأمثاله - لا لأنهم قرءوها، بل لأنهم عاشوها وأصابتهم جراحها وعلمت في أجسادهم ندوبها.
إن تلك الهوّة - بين معرفة الحكمة العملية في تدبير السياسة ودراسة الحُكم نظريًا – هي إحدى أقدمُ مشكلات السياسة. وهي أقدمُ بكثير من ويستروس.
الحُكم بوصفه صنعةً يمكن تعلمها وتلقيها
ربما كان هذا المشهد من قصة خيالية، إلا أن المنطق وراءه واقعي إلى أبعد مدى.
قبل اثنين وعشرين قرناً، دُعي حنبعل (Hannibal) المنفيّ في أفسس - والذي كان ربما أخطرُ قائدٍ واجهته روما قطّ - إلى حضور محاضرةٍ لفيلسوفٍ ذائع الصيت اسمه فورميو (Phormio) في فنّ القيادة العسكرية. وأفاض فورميو، الذي لم يطأ قطّ أرض معسكرٍ حربي، في الحديث ساعاتٍ طِوالاً. وحين سُئل حنبعل عن رأيه بعد ذلك، أجاب بأنه لقي في حياته الكثير من العجائزَ الحمقى، لكنه لم يلقَ قطّ من يثرثر أكثر من فورميو. لقد سمع صاحبُ النُّدوب ما يكفيه وزيادةً من صاحب الكتب.[1]
بيد أن التقليد الذي أودّ تتبّعه هنا توصّل إلى اكتشافٍ أدقّ، ويجدر أن نستهلّه بمشهدٍ من سجلّه نفسه. ففي كتاب “العِقد الفريد”، تلك الموسوعة الأندلسية الكبرى لابن عبد ربه، نجد مشهداً مصوَّراً تحت عنوان “مشاورة المهدي أهل بيته في حرب خراسان. في هذه القصة، يجمع الخليفةُ العباسي المهديُّ أبناءه ووزراءه ليتدارسوا كيفية مواجهة ثورةٍ قامت في خراسان البعيدة، ويأمر بتدوين النقاش كلّه. وبينما يدعو أحدُ المستشارين إلى استعمال الدهاء، وآخرُ إلى تغليب الرحمة والعفو، وثالثٌ إلى إعمال السيف، يخالف ولد الخليفة الشاب هارون – الذي سيلقب بالرشيد في قابل أيامه - فيجيب قائلًا في حكمة بالغة: “ أيها المهدي، إن الحرب خدعة، والأعاجم قوم مكرة، وربما اعتدلت الحال بهم، واتفقت الأهواء منهم، فكان باطن ما يسرّون على ظاهر ما يعلنون؛ وربما افترقت الحالان، وخالف القلب اللسان، فانطوى القلب على محجوبة تبطن، واستسرّ بمدخولة لا تعلن؛ والطبيب الرفيق بطبّه، البصير بأمره، العالم بمقدّم يده، وموضع ميسمه، لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء؛ فالرأي للمهدي- وفقه الله- أن يفرّ باطن أمرهم فرّ المسنّة، ويمخض ظاهر حالهم ....”
ثم يطنب في مشورة طويلة، لولا المقام لحسن نقلها. وكان مما قال المهدي من حكمة تدبير السياسة:
“ إن في كل قوم حكمة، ولكل زمان سياسة، وفي كل حال تدبير يبطل الآخر الأوّل؛ ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا”.
وهو بذلك يقر مبدأ في غاية الأهمية، أن تدبير الملك والسياسة ليس له قانون ثابت، ولا ناموس لا يخرج عنه، بل يقدر حكماء الساسة كل أمر بما هو مختص به.
ها هو ذا درسُ برون ودرسُ حنبعل، لكن مرفوعاً إلى مرتبة علمٍ في أمور تدبير السياسة والحكم، ومدوَّناً — وهذا هو اللافت — كي يُتعلَّم منه وينقل ويعتبر به.
وهذه العبارةُ الأخيرة هي المشكلة التي ظلت تؤرّق هذا التقليد بأسره. فإذا كانت حكمةُ تدبير الحُكم لا تُكتسب إلا بالدربة والممارسة، فكيف السبيل إلى نقلها ؟ فإنك لا تستطيع أن تُسلّم غيرك ندوبَك. ومع ذلك، لم تكن أيُّ حضارةٍ مستعدّةً لأن تترك كل جيلٍ يبدأ من الصفر، فيتعلّم فنّ الحُكم من جديدٍ بالتجربة والممارسة والكارثة. ومن ثَمّ سعى كلٌّ منها إلى حمل الحكمة في تدبير السياسة والملك عبر الزمن، وذلك بثلاث وسائل:
بتدوينها في كتب النصائح ووصايا الملوك ومجاميع الحِكَم،
وبتعليمها في المدارس والمناهج المصمَّمة لهذا الغرض،
وبالتمرين عليها عبر التلمذة والمنصب والنُّضج البطيء الذي تُورثه المسؤولية.
وما يلي من تاريخٍ ليس، في جوهره، سوى ألفَي عامٍ من محاولة حل تلك المشكلة - كيف نصوغ الحكمة العملية للسياسة في قالبٍ يمكن تناقله وتعليمه وتلقيه— مع وعيٍ راسخٍ بأن الكتاب ليس هو العالم، وأن كل ما يُكتَب لا يَسَع إلا أن يشير إلى ما لا سبيل إلى امتلاكه إلا بالدربة في نهاية المطاف.
سمّى اليونانيون هذه “فرونيسيس” (phronesis)، أي الحكمةَ العملية. وسمّاه العربُ من بعدُ حكمة تدبير الملك، وهي الفطنةُ العملية لرجل الدولة. والقصةُ هي كيف حاولت خمسُ حضاراتٍ أن تُنمّي هذه الفطنة وتنقلها، وكيف تلاقت جهودُها لتُنتج واحداً من أغنى التقاليد التي عرفها العالم،
المنابع
لنبدأ من المنابع، فاللافت هو كثرتها. فقبل أن تلتقي بزمنٍ طويل، خلصت خمسُ حضاراتٍ منفصلة، كلٌّ على حدة، إلى أن فنّ الحُكم صنعةٌ منضبطة — واتّكأت كلٌّ منها على واحدةٍ مختلفة من تلك القنوات الثلاث لحمله.
كانت اليونان هي التي حازت قدم السبق في تعريف تلك المعضلة. فأرسطو هو أول من حدّد نوع المعرفة التي يتطلّبها الحُكم. فهي ليست إدراكَ الحقائق الثابتة الكلّية وليست المعرفة التقنية للإنتاج، بل الفرونيسيس — تلك الملَكةَ التي تقتضي حُسن التصرف في الظروف الجزئية غير المتكرّرة، حيث لا يمكن أن تُكتَب مسبقاً قاعدةٌ تُملي بدقّةٍ ما ينبغي فعله. فقد رأى أرسطو أن فنّ الحُكم ينتمي إلى عالم الفعل؛ إنه يُمارَس كما تُمارَس المهارة، ولا يُختزَل في صيغة.
أما المدرسة التي كان يمارس فيها فهي دولةُ المدينة (polis) ذاتها. ففي مثال أرسطو الأعلى، كان المواطنون يكتسبون الفنّ بممارسته - بأن “يَحكموا ويُحكَموا بالتناوب”، فيتعلّمون القيادة لأنهم تعلّموا الطاعة أولاً. وكان حدْسُ اليونان أن الحكمة السياسية تنتقل عبر الممارسة لا الكتاب، فإنما تصير قادراً على الحُكم بأن تُشارك فيه. وحين أراد ملكٌ أن يصبّ تلك الحكمة في وارث عرشه مباشرةً، استقدم أرسطو نفسه. فقد انتدب فيليب المقدوني (Philip of Macedon) أرسطو ليُربّي ابنه، فأمضى المُنظّرُ الأكبر للحكمة العملية ثلاث سنواتٍ يُشكّل عقل الفتى الذي صار الإسكندرَ الأكبر (Alexander the Great) — أشهرَ مثالٍ في التاريخ على ملك تتلمذ على يد حكيم، وإن كان ما صنعه الإسكندر بذلك الدرس في آخر المطاف شأنَه هو وحده.
ثم جاءت بعد ذلك روما، فوثقت بالتمرين قبل كل شيء. فكانت كلمتها التي عبرت بها عن فضيلة رجل الدولة الأهم هي الحصافة (prudentia)، وخزّانُ حكمتها هو تقاليدُ الأسلاف (mos maiorum). فكان الرومانيّ الفتى يتعلّم فنّ الحُكم بأن يلازم شيخاً من الساسة يتبعه في شؤونه العامة، يتعلم من علمه وعمله ويستقي من حكمته، وهو ما سُمّي تلمذةَ الساحة العامة (tirocinium fori). وقد رسخت روما تلك التلمذة في مؤسسةٍ هي سُلَّمُ المناصب (cursus honorum)، الذي يرتقيه المرء درجةً درجة من الكويستور إلى الإيديل فالبريتور وأخيراً القنصل، مع تثبيت حدودٍ دنيا للأعمار بحكم القانون (قانون فيلّيا السنوي الصادر عام 180 ق.م) حتى لا يبلغ القيادةَ العليا إلا من بلغ رشده.
ولم تبنِ أيُّ حضارةٍ آلةً أكثر تعمّداً لإنضاج رجال دولتها عبر خبرةٍ متدرّجةٍ خاضعةٍ للمساءلة مثلما فعلت روما. ولما عملت تلك الآلية كما ينبغي، أنتجت حاكماً من طراز ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius) الوارثِ بالتبنّي لأنطونينوس بيوس الذي أعدّه طوال أكثر من عقدين من المنصب المشترك قبل أن يتولّى السلطة منفرداً، فكان أحد أعظم من حكم الإمبراطورية الرومانية في تاريخها الطويل. وقد حمل إلى العرش انضباطاً رواقياً قطّره، وهو في ميادين القتال، في دفترٍ خاصٍّ نسمّيه اليوم “التأملات” وهو بمثابة حكمةٌ عمليةٌ كتبها حاكمٌ لنفسه.
أما الهند فكانت الأولى بين الجميع في تدوين الفنّ بوصفه علماً يُدرَّس. فكتاب «الأرثا شاسترا» (Arthashastra) لكاوتيليا (Kautilya، القرن الرابع ق.م) يستهلّ — وهذا لافت — بقسمٍ عن التعليم، إذ يحمل بابُه الأول عنوان “في التدريب”، ويعلن أن غايته كلَّها إعدادُ الأمير ليَحكم بالعدل ويحمي مملكته. ويعدّد العلومَ التي على الحاكم إتقانها، مُعلياً عليها جميعاً الأنفيكشيكي (Anvikshiki)، أي علمَ النظر العقلي، و”مصباحَ العلوم كلّها”، ثم علوم شتى مثل الاقتصاد وفلاحة الأرض والحرب ... إلخ. وقد تلقّى كاوتيليا نفسه تعليمه في تاكشاشيلا، التي كانت آنذاك من أرفع مراكز العلم في آسيا، ويُروى أنه ربّى تشاندراغوبتا موريا (Chandragupta Maurya) حتى صار مؤسّسَ إمبراطورية.
على أن الحضارة الهندية سخرت كذلك من العالِم الذي ينسى الواقع. ففي تقليدها من الحكايات على ألسنة الحيوان — وهو “البانشاتنترا” (Panchatantra) نفسه - الذي سيعرفه العرب لاحقاً باسم “كليلة ودمنة”- يُحكي أن أربعةٍ من البراهمة خرجوا معاً، كان ثلاثةٌ منهم أساتذةٌ في العلوم، والرابعُ لا يملك سوى الفطرة السليمة. وحين عثروا على عظام أسد، عزم الثلاثةُ على استعراض علمهم بإعادة الوحش إلى الحياة، فتوسّل إليهم الرابعُ أن يكفّوا، فلم يُصغوا إليه، فتسلّق شجرة. وما إن دبّت الحياةُ في الأسد حتى افترس العلماءَ الثلاثة، فنزل صاحبُ الفطرة من شجرته وعاد إلى بيته وحده. فالعلم بلا حُكمٍ سديد - كما تحذر القصة — أسدٌ تُعلّمه بكدٍّ ومشقّةٍ كيف يلتهمك.
فإن سافرنا إلى الصين البعيدة، وجدناها أقامت أبقى مؤسسةٍ تعليميةٍ لفن السياسة على الإطلاق. فقد كان المنطلق الكونفوشيوسي يحكم بأن القدرة على الحُكم تنبت من تهذيب النفس. فكتاب “التعلّم الكبير” يضع سلسلةً شهيرة تصعد من تمحيص الأشياء وتقويم القلب إلى تنظيم الدولة وإحلال السلام في الأرض قاطبةً، محورُها تهذيبُ الذات. وفي مقابل ذلك، وفّر الشرعانيون (Legalists) ما عجز الخُلُقُ وحده عن توفيره — تقنيةً صارمة في الإدارة، إذ طوّر مفكّرون مثل شين بو هاي (Shen Buhai) مفهومَ الـ”شو” (shu)، أي أساليبَ إلزام الموظفين بأداء واجباتهم المعلَنة. وكانت التسويةُ الصينية الباقية مزجاً بين الاثنين: كونفوشيوسيةً في قيمها، شرعانيةً في آلياتها.
وحيث ربّت الهندُ الأمير، امتحنت الصينُ الموظفين. فكان نظام الامتحانات الإمبراطورية (keju) لامتحان المقبلين على تولي المناصب السياسية والإدارية، والذي مُنهِج في عهد سلالة سُوي (581–618م)، يوظف الإداريين بناءً على الكفاءة لا النَّسب. وقد دفعت سلالةُ سونغ بهذا المنطق إلى أقصاه، حتى منعت أبناء البيت المالك من دخول تلك الامتحانات. ومنذ عام 1313م صارت “الكتب الأربعة”، بتأويل الفيلسوف جو شي (Zhu Xi)، صُلبَ المنهج، وبقيت كذلك في عهدَي سلالتي مينغ وتشينغ حتى أُلغي النظام عام 1905م. وكان هؤلاء الموظفون الممتَحَنون — أو “الماندرين” كما سمّاهم الأوروبيون لاحقاً — أجرأَ رهانٍ في العالم القديم على أن الإدارة الحكيمة يمكن تلقيها بالكتابة والامتحان. وقد وجد المثالُ الأعلى الذي خدمه أولئك الموظفون رمزَه في الإمبراطور تايزونغ (Taizong) من سلالة تانغ، الذي يُذكَر بوصفه الحاكمَ النموذج في الصين تحديداً لأنه حكم بالمشورة — مُصغياً إلى المناصحات الفجّة لوزيره وي جنغ (Wei Zheng)، ومُصحّحاً نفسه أمام الملأ بناءً عليها، حتى جُمعت محاوراتُه مع العرش في دليلٍ في الحُكم ظلّ الأباطرة من بعده يدرسونه قروناً.
وكان ذلك أشدَّ الحلول تمحوراً حول الكتاب — ومع ذلك احتفظت الصينُ، في صميم ذاكرتها، بأمضى تحذيرٍ منه. فهي لم تنسَ قطّ جاو كو (Zhao Kuo)، ذلك القائدَ الذي أتقن كل كتابٍ من كتب الحرب الكلاسيكية، وكان يَغلب أباه المُحنّك في الجدل العسكري، لكنه حين أُسندت إليه قيادةٌ حقيقية في معركة تشانغ بينغ عام 260 ق.م، فرّط في موقعٍ دفاعيٍّ متين، فهاجم دون أن يحمي ظهره، فقاد نحو أربعمئة ألف رجلٍ إلى الهلاك. وكان أبوه قد تنبّأ بذلك محذّراً من أن الحرب تتطلّب ما هو أكثرُ من نظريات الكتب. وقد أورثت الكارثةُ اللغةَ الصينية مَثَلاً للتنظير العقيم لا يزال حياً إلى اليوم: “جْي شانغ تان بِينغ”، أي “مناقشةُ الحرب على الورق”.
أما حضارة فارس، فقد جعلت من هذا التقليد مهنةً وجنساً أدبياً في آنٍ معاً. فعلى الرغم أن المُلكُ الساساني كان مقدَّساً، لكنه لم يتصوّر قطّ أن الملك يستطيع الحُكم بالهيبة وحدها، فهو يحتاج إلى المشورة، المحفوظةِ في الأندَرز (andarz)، ذلك الجنسِ من النصح المُلزِم الذي يدوّنه حكيمٌ أو ملكٌ محتضِر على سرير الموت لورثته. وكان حاملُ تلك الحكمة هو الدبير (dabir)، أي الكاتب، الذي شكّل واحدةً من طبقات المجتمع الأربع المعترَف بها، والذي دُرِّب على طراز رفيع، حيث كان متمكّناً من البلاغة وحُسن الخطّ، سريعَ البديهة واسعَ العلم، مهذَّبَ الخُلق صبوراً صادقاً كتوماً نزيهاً. وكان هؤلاء يديرون دواوين الدولة ويرتقون إلى منصب الوزير الأكبر؛ وكان نموذجهم الأعلى بزرجمهر، الحكيمَ الذي وجّهت مشورتُه كسرى الأول (حكم 531–579م)، ذلك الملكَ الذي ظلّ يُذكَر من بعدُ بأنوشروان “العادل”، وهو المثل الأعلى للملك الحكيم. والذي صار في الذاكرة الفارسية مرادفاً للوزير الصالح. وكان الكُتّابُ هم من يدوّنون أحكام الملك ومشوراته ووصاياه، فكانت الطبقة المُدرَّبة على إدارة المملكة هي نفسها الطبقةَ التي تدوّن حكمتها. فالتدريبُ والتدوين، المهنةُ والجنسُ الأدبي، كانا شيئاً واحداً.
فهذه خمسُ حضارات، وخمسةُ حلول لمشكلة نقل الحكمة العملية لتدبير السياسة. اليونان بالممارسة المُعاشة، وروما بالتلمذة والمنصب، والهند بعلمٍ مدوَّن، والصين بالامتحان، وفارس بكتابةٍ ديوانيةٍ ألّفت بنفسها نصائحَها. ولم يبقَ إلا أن تلتقي جميعًا في معين واحد.
وقد التقت جميعًا في بغداد.
ثلاثة أنهار في مصبٍّ واحد
على امتداد القرون من الثاني إلى الخامس الهجري، وبرعايةٍ عباسية، حملت حركةُ ترجمةٍ هائلة علومَ القدماء إلى العربية، ونشأ منها الأدبُ الذي سمّاه العربُ “أدب السياسة” أو “نصيحة الملوك”. وكان قبل كل شيء عبارة عن الإرثَ الفارسيَّ مُكيَّفاً مع الإسلام. فالملوكُ الساسانيون رُفعوا مثالاً للحاكم النموذجي، وكان المنهجُ منهجاً فارسياً، وهو التعليمَ بالخبر والحكمةِ المأثورة،، يَعِظ ويُمتع في آنٍ معاً. وفي هذا النهر الفارسي المهيمن صبّ رافدٌ هنديٌّ قويّ، كان هو نفسه قد جرى عبر فارس، في حين كان الإسهامُ اليوناني في هذا الجنس تحديداً أخفَّ وزناً ومنحولاً في الغالب الأعم. أما الفلسفةُ السياسية اليونانية الجادّة، فلسفةُ أفلاطون وأرسطو، فجرت في مجرى مستقلٍّ خاصٍّ بها. هذه هي الآداب السلطانية، وهي، كما لاحظ إروين روزنتال (Erwin Rosenthal)، كُتبت في معظمها على أيدي رجال شأنٍ وأدبٍ تعلّموا في مدرسة التجربة. أي إن حكمة برون وحنبعل المُعاشة قد صارت الآن مسطورةً على الورق.
ويجدر أن نوضّح ما كانت عليه وما لم تكنه. فتلك الكتب كانت تنتمي إلى “الأدب”، أدبِ السلوك المهذَّب، بقدر ما تنتمي إلى “الأخلاق”، أدبِ القيم. وكانت معنيّةً بفنّ الحُكم أكثرَ من عنايتها بمبادئه — أي بكيف ينبغي للحاكم الفعليّ أن يحكم فعلاً. أما النظريةُ الفقهية للحكم مثل “الأحكام السلطانية” للماوردي، أولُ مصنَّفٍ منهجيٍّ في وظائف الحُكم في الإسلام، والفلسفةُ السياسية عند الفلاسفة، فمشروعان آخران، وأما الآداب السلطانية فكانت هي الفرعُ العملي. ومع كل ما فيها من إلحاحٍ وحث على العدل، تجري فيها نزعةٌ قويّةٌ إلى الحكمة العملية للسياسة، إذ يُعلى العدلُ لا بوصفه قيمةً أخلاقيةً مطلقةً فحسب، بل بوصفه ما يُبقي الدولةَ قائمة.
والذي فتح هذا المجرى هو ابنُ المقفّع (ت. نحو 757م)، الفارسيُّ المُعتنِق للإسلام في الديوان الأموي ثم العباسي، الذي سنّ سُنّةَ الكتابة في سِيَر الملوك وآداب البلاط. فمن نسخةٍ فهلويةٍ للنصّ السنسكريتي “البانشاتنترا” أخرج كتاب “كليلة ودمنة”، الأدب السلطاني في هيئة حكايةٍ على ألسنة الحيوان، فما ابنُ آوى المتآمر (كليلة) فيها إلا تشريحٌ للطموح والولاء ومزالقِ البلاط. وهي ما يُعَدّ أولَ روائع النثر العربي. وفي كتابيه “الأدب الصغير” و”الأدب الكبير” أرسى النمطَ الذي سيتبعه هذا التقليد كلُّه، مميِّزاً بين ثلاثة أضربٍ من المُلك: مُلكٍ يقوم على الدين، وهو أوثقُها جميعاً؛ ومُلكٍ يقوم على القوة المجرّدة، ثابتٍ لكن لا ينفكّ مُنازَعاً؛ ومُلكٍ تحكّميٍّ، وهو “لعبةُ ساعة”، سرعان ما ينهار. وفي “رسالة الصحابة” ذهب إلى أبعدَ مما تجرّأ عليه أيُّ كاتب قبله ، إذ دعا الخليفةَ إلى أن يضع مدوّنةً واحدةً واضحةً للقانون في المملكة كلِّها وميثاقاً مكتوباً لجيشه، وهو اقتراحٌ مؤسسيٌّ لافتٌ ربما أسهم في هلاكه.
أما الخيطُ اليوناني فبلغ هذا التقليد أساساً عبر كتاب “سرّ الأسرار”، المصوغِ في هيئة رسالة نصحٍ من أرسطو إلى تلميذه الإسكندر، وإن كان قد أُلِّف على الأرجح بالعربية في القرن الرابع الهجري، مُشبَعاً بتأثيرات ساسانية. فكان كتابًا في الآداب السلطانية يحمل اسم أرسطو. وقد تُرجم إلى اللاتينية باسم (Secretum Secretorum)، فصار من أكثر الكتب رواجاً في أوروبا الوسيطة بحدّ ذاته. ولعل سبب رواجه هو اشتهار حقيقة أن أرسطو كان بالفعل المعلم السياسي للإسكندر الأكبر المقدوني، لذلك فقد ولد الكتاب بمصداقية كبيرة، وإن اكتُشف فيما بعد أنه كان منحولًا.
ثم جاءت الكلاسيكيّات الكبرى في الآداب السلطانية، فـظهر كتاب “التاج” المنسوب إلى الجاحظ، وهو من أشهرُ كتب الآداب السلطانية المبكّرة، حيث عني بآداب البلاط ومحاسن سلوك الملك والحاشية، مستقاةٌ في معظمها من الممارسة الساسانية، إذ يصرح في أول الكتاب قائلًا: “ ولنبدأ بملوك العجم، إذ كانوا هم الأول في ذلك، وعنهم أخذنا قوانين الملك والمملكة، وترتيب الخاصة والعامة، وسياسة الرعية، وإلزام كل طبقة حظها، والاقتصار على جديلتها”. وفي أواخر القرن الخامس الهجري جاء أعظم كتب الآداب السلطانية جميعاً، وهو كتاب النصيحة المعروف بـ”قابوس نامه” (٤٧٥ه)، الذي دوّنه الأميرُ الزياري كيكاوس، أمير طبرستان، لابنه. يشتمل الكتاب على أبواب واسعة في مهارات وفنون الحكم مثل أبواب في قتال العدو وجمع المال، حتى في الزراعة والصناعة. وفيه ينصح كيكاوس ولده بأن “الحكمةَ وزيرُ الملك الأول”، وينصحه بأن يتخذ حرسًا من أعراقٍ شتّى حتى لا تأسر العرشَ فئةٌ واحدة، ويقرر التلازُمَ الكامن في قلب التقليد كلِّه، أن الحكمُ الصالح يقوم على الجند، والجندُ على المال، والمالُ على رعيةٍ مزدهرةٍ تُعامَل بالعدل، والازدهارُ على العدل. وهي المقولةُ التي — على حدّ تعبير روزنتال — ربما بنى عليها ابنُ خلدون لاحقاً علمَه بأسره، وبذرةُ ما ستسمّيه الإمبراطوريات “دائرة العدل”.
وبعد عشر سنوات، كتب نظامُ الملك — الوزيرُ الأكبر الذي أدار الإمبراطورية السلجوقية ثلاثين عاماً في عهد ألب أرسلان وملكشاه كتابه الأبرز في الآداب السلطانية، كتاب “سياست نامه”، أي كتابَ “قانون السياسة”، لملكشاه. وقد احتوى على خمسين فصلاً من النصح مغلَّفةً بالأخبار والحكايات، ورعة في صبغتها السنّية، صريحةً تماماً في شأن فن السياسة والحكم والسلطان، وفيها فصلٌ كاملٌ في جهاز العيون الذي على الحاكم أن يُقيمه على موظّفيه أنفسهم، وآخر عن مراقبة المستقطعين الموكلين بجمع المال من الرعية، وفصول في ترتيب الحرس والجيش، وفصل طريف في التحذير من نساء البلاط ونفوذهن ومكرهن. وبعده سيكتب الإمام الكبير الغزالي كتاب “التبر المسبوك في نصيحة الملوك” وسيوجهه إلى سلطانٍ سلجوقي، وهو أقرب إلى نصيحة أخلاقية منه إلى الآداب السلطانية. ووصلت الكتابة في الآداب السلطانية إلى أقصى الغرب الإسلامي متمثلة في كتاب “سراج الملوك” للطرطوشي الأندلسي، وكتاب “بدائع السلك في طبائع الملك”، لابي عبد الله بن الأزرق، وهو أقرب إلى تعليق على ابن خلدون، إلا أن به جملة فصول في الآداب السلطانية من إعداد الجيوش وجمع المال وضبط الولاة ... إلخ.
والكلمةُ التي تشدّ ذلك كلَّه هي الكياسة — أي الذكاءَ السياسي العملي — ابنةُ عمّ الفرونيسيس اليونانية، وهي فطنةُ من يحكم فعلاً، المكتسَبةُ بالمِراس والدربة. وكانت الآداب السلطانية هي الموضعَ الذي تلاقت فيه الخيوطُ الفارسية والهندية واليونانية لتلك الحكمة وأُعيد صوغُها في قالبٍ إسلامي. وأهميّتُها إنما هي في فنّ الحُكم لا في نظرية الدولة. وقد تعدى هذا الفن إلى أوروبا في العصور الوسطى عبر كتاب “Secretum Secretorum” اللاتيني الذي ترجمه مترجمو طليطلة، فانتقل هذا الأدبُ إلى العالم الغربي، فأسهم في رفد المكتبة نفسها التي أمدت مكيافيلي ومعاصروه بمادة دسمة كانت الأساس الذي طوروه وبنوا عليه بلا شك.
الدلتا: إمبراطوريات العالم الإسلامي الثلاث
إن النهرُ الذي اجتمع في بغداد والعالم الإسلامي في كتابات الآداب السلطانية، ما لبث أن تفرع إلى دلتا تمد ملوك وحكام العالم الإسلامي الذين حكموا إمبراطورياته الثلاث، العثمانية والصفوية والمغولية. وبحلول مطلع العصر الحديث، كان هذا التقليد يحكم ثلاثاً من أكبر دول الأرض وأغناها وأرسى في كلٍّ منها تقاليده المميزة.
وينتصب بين كتابات الأحكام السلطانية في القرون الثاني – الخامس الهجري وهذه الإمبراطوريات شخصيةٌ واحدة قلبت الموازين، وهو ابنُ خلدون (ت: ٨٠٨ ه). فحيث كان كُتّابُ النصح يُملون على الحكّام كيف ينبغي أن يسلكوا، انصرف هو إلى تفسير كيف تنهض الدولُ والمجتمعات فعلاً وكيف تسقط. وكان منهجه تاريخي تأملي محورُه مفهوم العصبيةُ بوصفها المفسر الأكبر. فالتلاحمُ يحمل الأقوامَ الأشدّاء إلى السلطة، ثم يلين في رخاء الثروة، ويتحلّل عبر أجيالٍ قليلة حتى تُزيح جماعةٌ أكثرُ فتوّةً الدولةَ القائمة. كان ذلك تحوّلاً حاسماً من الوصف المعياري إلى التحليل، وكان أشدَّ قرّائه اللاحقين انتباهاً العثمانيون، الذين استعانوا بدورته ليفهموا توتّراتهم الداخلية.
وكان يجري تحت الإمبراطوريات الثلاث تيارٌ واحدٌ مشترك يفسّر شبَهها العائلي. فثقافتُها السياسية العليا كانت فارسيةَ الطابع، وكان عمودُ تعليمها تقليدَ الأخلاق — أي فلسفةَ الحُكم الأخلاقية — وفي مقدّمته “الأخلاق الناصرية” للطوسي، المؤلَّفةُ عام ٦٣٣ه. ولعل قصة هذا الكتاب تمثل فكرة هذا المقال كلُّها مكثَّفة. فقد بناه الطوسي على أخلاق مسكويه، التي تقوم بدورها على الترجمة العربية لأرسطو - حتى إن قسمه في السياسة يستهلّ بتبنّي الموقف الأرسطي القائل إن “الإنسان مدنيٌّ بالطبع”. وفي عهد الإمبراطور المغولي أكبر، لم يظلّ كتاب الأخلاق الناصرية نصًا تعليميًا متداولًا فحسب، بل حظي بمكانة بلاطية واضحة؛ فقد سجّل مؤرخ أكبر، أبو الفضل العلامي، أن الإمبراطور كان يستمتع بسماعه مقروءًا في مجالس البلاط، كما صُنعت له في لاهور، نحو 1590–1595م، نسخةٌ مصوّرة فاخرة تضم سبع عشرة لوحة ملوّنة كاملة الصفحة.
بيد أنه يجدر هنا التدقيق، لأن التقليد جرى في سجلّين متمايزين لا ينبغي الخلطُ بينهما. فكتبُ الأخلاق على شاكلة كتاب الطوسي كانت مصنَّفاتٍ في الفلسفة الأخلاقية، شأنُها أن تُشكّل خُلُقَ الحاكم وحُكمَه — أن تُنمّي الإنسانَ الحكيم — وسياستُها مثاليةٌ في معظمها، معنيّةٌ بالتنظيم الفاضل للمجتمع وبالملك العادل. إنها ليست كُتُبَ مكائد. أما الصنعةُ الأخشنُ الأكثرُ دنيويةً للحُكم، مثل بث الجواسيسُ واستعمال الحيلة، والقراءةُ الباردة للدوافع، وتدبيرُ بلاطٍ محفوفٍ بالخطر، فقد سكنت كتب الآداب السلطانية مثل «سياست نامه» لنظام الملك، المكتظَّ بالعيون والقصص التحذيرية، ومكائدَ البلاط التي يجسّدها ابنُ آوى المتآمر في “كليلة ودمنة”؛ و”قابوس نامه” وأدبَ مجالس المشورة. ولم يكن التقليدين منعزلين أحدهما عن الآخر قطّ — حتى الطوسي يقف ليحذّر الحاشيَ الذي يخدم ملكاً خطِراً من أن الملك كالسيل المنحدر من الجبل، يُهلك من يحاول سدّه دفعةً واحدة، لكن يقوده برفقٍ من يبني الضفّةَ شيئاً فشيئاً، وهي نصيحةٌ من الدهاء بحيث يضعها الباحثون المعاصرون إلى جانب مكيافيلي. غير أن أحد التقليدين، في الجملة، كان يُنمّي الحاكمَ الحكيم، والآخرُ يُعلّم الصنعةَ الخشنة، وكانت الإمبراطورية بحاجةٍ إليهما معاً. وقد نقل العالمُ الفارسيُّ الطابعِ كليهما: التكوينَ الفلسفيَّ عبر منهج الأخلاق، والدهاءَ العمليَّ عبر النصائح السلطانية والحكايات.
أما العثمانيون، فقد زوّجوا بين تقليد الآداب السلطانية الموروثة بمدرسةٍ بديعة. فكتابتُهم السياسية جرت عبر “النصيحت نامه” (nasihatname)، كتابِ النصح، الذي كثيراً ما شخّص الانحطاط ووصف العودة إلى النظام القديم؛ و”آصف نامه” (1541م) للطفي باشا، ومذكّرةُ كوتشي بك الشهيرة إلى السلطان مراد الرابع، من كلاسيكيّات هذا العصر. لكن عبقريّتهم كانت إنشاء مدرسة الأندرون (Enderun)، داخل قصر طوب قابي، التي كان طلابُها يُجنَّدون في الغالب عبر نظام الدوشرمة (devshirme) — أي جبايةِ صبيةٍ موهوبين يُربَّون خَدَماً للدولة العثمانية — ويُدرَّبون على ثلاث لغاتٍ والعلومِ والفنونِ والعملِ في إدارة الدولة. وكان أقدرُهم يرتقي إلى منصب الصدر الأعظم، مثل صوقوللو محمد باشا، ذلك الصبيُّ البوسني الذي أُخذ في الدوشرمة فارتقى عبر المدرسة حتى أدار الإمبراطورية في أوج مجدها، وعمل للسلطان العظيم سليمان القانوني وولده سليم الثاني. وقد بلغ أن كان من خرّيجي الأندرون نحو ستين صدرًا أعظم. فقد كانت أكاديميةً تعتمد على الجدارة لا النسب، وجمعت بين التدريب والتعليم.
ثم ثمة الصفويون، الذين جعلوا التشيّعَ الاثنا عشري دينَ إيران، وأعادوا صوغَ أقدم الأسئلة على الإطلاق - أساسِ شرعية الحُكم - حول الشاه والمؤسسةِ الدينية الشيعية وسلطةِ الإمام الغائب. وجرى فكرُهم السياسي عبر الفقه والحوزة أكثرَ منه عبر نصيحة الملوك، وتبقى إدارتُهم ماثلةً في زوجٍ نفيسٍ من الأدلّة المتأخّرة، هما “تذكرة الملوك” و”دستور الملوك”، اللذان يبسطان وظائف الدولة من الوزير الأكبر نزولاً إلى مطابخ القصر — ولم يزل تقليدُ الديوان الساساني القديم مقروءاً فيهما، بعد أحد عشر قرناً، في ديوان أصفهان.
وظلّت كلُّ إمبراطورية، بأسلوبها الخاص، تُدير الصورةَ القديمة التي تشاركتها جميعاً — دائرةَ العدل: العالم بستان سياجه الدولة، والدولة سلطان تحيا به السُّنّة، والسُّنّة سياسة يسوسها الملك، والملك نظام يعضده الجند، والجند أعوان يكفلهم المال، والمال رزق تجمعه الرعية، والرعية عبيد يتعبدهم العدل، والعدل مألوف وبه صلاح العالم، العالم بستان سياجه الدولة، وكهذا يَسند كلٌّ منها التالي. وأن تحكم يعني أن تُبقي الحلقةَ دائرة مغلقة، إذا اختل منها ركن، اختلت جميعًا.
افتراق المياه
وهذا يقودنا إلى أصعب الأسئلة جميعاً. فطوال ألفَي عامٍ نمّت هذه الحضاراتُ فنّ الحُكم بوصفه صنعةً منضبطة، وحكمت نخب “الآداب السلطانية” ثلاثاً من أعظم إمبراطوريات العالم. ومع ذلك، بحلول عام 1800م تقريباً، كانت دولُ أوروبا — التي كانت يوماً على الهامش — قد تجاوزتها تجاوزاً حاسماً، في فن السياسة وتدبير الملك، وفي قوة العسكر، وفي امتداد النفوذ والسطوة. فكيف وقع هذا الانقلابُ، وللحضارة هذا الإرثُ العميق من الحكمة السياسية؟ وهو السؤال الذي أقض مضجع كل مصلح في ذلك الزمان، لماذا تقدموا وتأخرنا؟
لنتأنَّ قليلًا في تصوير هذه المسألة، فالإجابات السهلة كلها خاطئة. فقصةُ “الانحطاط” القديمة — عصرٌ ذهبيٌّ يعقبه تدهورٌ طويل — قد هجرها المتخصّصون إلى حدٍّ بعيد؛ وما قرأه مؤرّخون أقدمون عَفَناً عثمانياً كان في الغالب تكيُّفاً. كما أن ذلك الافتراق جاء متأخّراً: فكما حاجج كينيث بومرانز (Kenneth Pomeranz)، لم تنفتح الفجوةُ الحاسمة إلا بعد عام 1750م تقريباً، وكانت مدينةً بالكثير لميزاتٍ عَرَضيةٍ كفحم بريطانيا وموارد الأمريكتين الهائلة. وحتى عام 1700م لم تكن الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى متخلّفةً على نحوٍ بيّن.
والإجاباتُ الوجيهة تشكّل قائمةً طويلة، ليس هذا مقام ذكرها، منها ظرفية قدرية بحتة مثل التفرق الأوروبي الشديد الذي ساهم في احتدام المنافسة الشرسة والتطور السريع، ومنها ابتكارات اقتصادية وتقنية وسياسية أسهمت في الارتفاع المفاجئ في قوة البلاد الأوروبية، ومنها ترتيبات لا أخلاقية، أدت إلى تركيز قوة هائلة في مؤسسات صغيرة نسبيًا، مثل الدولة المالية – العسكرية الحديثة، التي تزاوجت مع البنوك الربوية لتنتج وحشًا لا يصمد له إلا من كان مثله، ولم تكن الإمبراطوريات الإسلامية لتتأقلم مع هذا الاختراع العفن في فترة قصيرة.
لكن تحت هذه التفاصيل جرى تباينٌ يمسّ كلَّ ما في هذه القصة. فعبقريةُ “الآداب السلطانية” كانت تنميةَ السياسي الكامل - الحاكمِ العادل، والوزيرِ الحكيم، والكاتبِ المهذَّب - المُشكَّلِ بالتدوين والتعليم والتدريب. وكان سؤالها المركزي دائماً: كيف نصنع رجلَ دولةٍ حكيماً؟ وصورتُها العليا، دائرةُ العدل، لم تكن تدور إلا ما دامت يدٌ عادلةٌ تُديرها وتدبرها. نعم كان ثمة اهتمام بالتدبير الواقعي للحكم والسياسة وتنظيم الدولة والعسكر والاقتصاد ... إلخ، إلا أن كل ذلك كان موجهًا للملك والأمير والوزير وحاشيتهم وأعوانهم وكتباهم، أي النخبة. وجل ما كان موجهًا لجماهير الناس، لم يتعد النصيحة بطاعة الملوك وعمالهم والسير في ركابهم والنصح لهم بالأدب وإعانتهم على الحق.
ولعل في هذا شيء من التأثير الساساني كما يشير د. محمد المختار الشنقيطي في كتابه “الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية”. ولعله من التقاليد السنية العريقة في تجنب الثورات والفتن. ولعله كان تصورًا من هؤلاء الذين كتبوا تلك الكتب، أنه لا جدوى من الفعل السياسي للعامة والدهماء، الذين لا يملكون من أمرهم شيئًا، ولا يستطيعون سبيلًا. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، ما أورده نظام الملك في كتابه “سياست نامة” في قصة الشيخ المؤذن مع المعتصم، حيث عجز عامة أهل بغداد كلهم من منع ظلم أحد عمال المعتصم الأتراك، وقد اختطف فتاة متزوجة من الطريق وهو سكران لينتهكها. فما كان من الشيخ المؤذن الذي شهد الواقعة وضربه عسكر الأمير الظالم المذكور مع من ثاروا من أهل بغداد، فلم يجد إلا حيلة أوصلته صدفة إلى المعتصم، الذي سارع وأجاب مظلمته وعاقب عامله الفاسد. وبخلاف ما يريده الوزير من هذه القصة، من نصح الملوك بمراقبة عمالهم ومعاقبة من يتعدى منهم، فإنها تشرح العقلية التي نظرت بها النخبة إلى عامة الناس، فهم في نهاية المطاف يحتلون موضعًا متدنيًا جدًا في دائرة العدل نفسها، فما هم إلا جامعين للمال الذي يكفل الجيش الذي به حفظ الملك. وللإنصاف، فهذه كانت رؤية كافة الفلاسفة والنخب والحكام للعامة، من لدن أفلاطون إلى تلميذه أرسطو إلى فلاسفة ساسان، إلى أوروبا نفسها.
ولا ينبغي المبالغةُ في هذا، فالحضارةُ الإسلامية لم تكن تفتقر إلى المجتمع القوي بعيدًا عن الدولة، فقد كان لها المدارسُ والأوقافُ والأصنافُ المهنية وقانونٌ محكَمٌ وبيروقراطياتٌ طويلةُ العمر. وإنما الفرقُ في أن العامة لم يكن لهم طموح أو تطلع إلى الإصلاح أو محاسبة الملوك والحكام، ولم يكن أحد يشجعهم على ذلك، ولم يكن أحد يوجه لهم خطاب بذلك. وقبل الاصطدام بالحملات الأوروبية التي بدأت بالحملة الفرنسية على مصر، لم يكن أحد من العامة يتطلع إلى الملك والسياسة والسلطان، ناهيك عن الرغبة في الإصلاح. وما نتج عن ذلك لم يكن ما دعت إليه كتابات وتقاليد الآداب السلطانية، فغاب بالكلية تقريبًا ذلك الملك العادل والوزير الفاضل، بل انتشر بينهم الخمول والفساد والظلم والجباية والتعدي على عامة الناس بالعسف والقهر. ومن أراد أن يتبين هذا فليقرأ تاريخ مصر قبل الحملة، وبه من أهوال الظلم والفساد ما يفتك بأعظم دائرة للعدل.
إذًا فهل بلي تقليد الآداب السلطانية؟
إن الدرسُ، بكل تأكيد، ليس أن التقليد الموروث للآداب السلطانية كان عديم القيمة، بل كان واحداً من أعظم إنجازات البشرية في فنّ الحُكم والتدبير والسياسة - كما أن الفكر السياسي الأوروبي الحديث ذاتَه استقى من المنابع نفسها، من أرسطو وشيشرون اللذين تمحورت حولهما هذه القصة، بل ومن النقل الإسلامي نفسه عبر ابن خلدون و«Secretum Secretorum». بل الدرسُ هو أن الحكمة العملية ضروريةٌ لكنها لابد وأن تتطور مع العصر، وتنتقل من النخبة الضيقة للملوك والأمراء والرؤساء والوزراء، إلى نخبة أكبر من السياسيين الشباب الذي سيضطلعون بأمور السياسة والنهضة والخروج بالأمة من الانحطاط والضعف. وأن تلك الحكمة العملية في السياسة لا تكتسب على الوجه الأكمل إلا بالمراس والدربة، إلا أنه يمكن كذلك أن تُكتب وتنقل وتُتلقى من جيل إلى جيل. فالفرونيسيس، الكياسة — أي حُكمُ رجل الدولة الحكيم — تظلّ لا غنى عنها؛ فالتاريخ مليءٌ بأنظمةٍ مُحكَمةِ التصميم حطّمتها أيدٍ حمقاء. لكن الحُكمَ المُودَع في الأشخاص وحدهم هشّ: فهو يموت بموت الحكيم، ولا بدّ من إعادة إنباته ونقله في كل جيل. وكان الاكتشافُ الحديث الحاسم أن فنّ رجل الدولة الحكيم يجب أن يُزوَّج بمعمار المؤسسات الباقية — أن الإنسان الحكيم والمؤسسةَ المُحكَمة ليسا خصمين بل شريكان.
ولعل هذا ما أغفله إصلاحيو العصر الحديث في العالم الإسلامي، الذين أرقهم سؤال “لماذا تقدموا وتأخرنا”، فقد اهتموا اهتمامًا بالغًا بالجوانب الفكرية النظرية للتقدم الأوروبي، فكتبوا في الديمقراطية والجمعيات العمومية والبرلمانات والاستبداد والحرية .... إلخ وأغفلوا إعداد أجيال من السياسيين الأكفاء الذين يفهمون تطورات عصرهم فهمًا دقيقًا، وقد دُربوا وعُلموا منطق السياسة العملية الحصيفة، كيف يتعاملون مع الأحوال المتقلبة والظروف المتغيرة، كيف يحدثون التغيير والإصلاح، وكيف يتعاملون مع أدران الواقع وخبائثه ومكر الماكرين ودهاء الظالمين. وكما يتعلمون ما هو العدل والحرية والمساواة، يتعلمون أن هذه مثل عليا لن تتحقق إلا بطريق طويل من الإصلاح يخوضون فيه صراعات مريرة ويضطرون فيه إلى خيارات أحلاها مر. لابد وأن يتعلموا كيف يدارون عدوهم، ومتى يظهرون له العداء، ومتى يكون عليهم التكيف مع أوضاع ظالمة، ومتى يتحركون لإصلاحها، أو تغييرها من الجذور، متى يستخدمون الأدوات السلمية في النضال، ومتى يكون عليهم استخدام القوة، كيف ينظمون خلافاتهم الداخلية وطموحاتهم الفردية وأهواء أنفسهم الدنية، وكيف يتعاملون مع فساد ينشأ داخلهم، وكيف يحذرون استبداد قادتهم، ولكن دون أن تضعف قوتهم وتذهب شوكتهم.
وهذا كله في مرحلة ما قبل أن يفتح لهم طريق إلى التمكين الفعلي من الحكم، فإذا حدث ذلك، فعليهم أن يستعدوا له بفهم توازنات القوى المحلية والدولية، وكيف يديرون بالسياسة الحكيمة مؤسسات الدولة المختلفة، وكيف يديرون الرأي العام ويتعاملون معه، وكيف يتجنبون من سيحاول جاهدًا إفشالهم والنيل منهم، والأهم من ذلك أن يدركوا جميعًا أنهم في غابة ملؤها الوحوش الضارية، وأن زمان النوم قد ولى، وأنهم قد دخلوا حلبة لا خروج منها إلا إلى القصر أو إلى القبر، وأحيانًا بائسة، إلى السجن. هذا ما أدركه كتاب الآداب السلطانية، وعلموه طلابهم من الملوك والأمراء ورجال البلاط، وهذا ما يجب أن نسير على دربهم فيه، وإن كان إلى جمهور أوسع، وبطريقة تناسب تطور العصر والسياسة والملك.
كان لتيريون لانكستر كتبُه، ولبرون ندوبُه. وتاريخُ فنّ الحُكم كلُّه هو الاكتشافُ البطيء أنك تحتاج إليهما معاً - ومن الجدير بالذكر أن تيريون الذي عبنا عليه قلة خبرته العملية، تمكن في بقية المسلسل من لعب أدوار بالغة الأهمية بما اكتسبه من علم وخبرة معًا، وظل حتى آخر مشهد في المسلسل يحاول القيام بما يستطيع من الإصلاح والعدل.
والعملُ الذي لم يكتمل بعد في بناء جيل سياسي- لابد وأن يستكمل إن أردنا حقًا أن نؤدي ما علينا في هذا العالم من العدل والإصلاح. ولابد كذلك أن ندرك أولًا وآخرًا، أن هذا ما علينا وأن نقوم به، وأن سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، وأن لله المبتدا والمنتهى، “ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”
اشترك في “كياسة” ليصلك كل جديد
* * *
ملاحظة في المصادر
- الفكر السياسي الإسلامي في العصور الوسطى: رؤية تمهيدية، إرفن روزنتال، (ترجمة: د. أحمد محمود إبراهيم – د. أسامة شفيع السيد)، مركز نماء للبحوث والدراسات، ٢٠٢٠.
- النصوصُ الأوّلية المركزية هي:
· في الخطابة، لشيشرون (طُرفة هانيبال في II.75–76)؛
· الأرثا شاسترا لكاوتيليا
· البانشاتنترا
· الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة وكليلة ودمنة لابن المقفّع
· سرّ الأسرار
· سياست نامه لنظام الملك
· نصيحة الملوك للغزالي
· سراج الملوك للطرطوشي
· قابوس نامه لكيكاوس
· العِقد الفريد لابن عبد ربه.
- وفي شأن التباعد العظيم، فالعملان الحديثان الأساسيّان هما «التباعد الطويل» لتيمور كوران، و«التباعد العظيم» (The Great Divergence) لكينيث بومرانز؛
- ومداخلُ «دائرة المعارف الإيرانية» (Encyclopaedia Iranica) عن الأندَرز والدبير والأدلّة الإدارية الصفوية المتأخّرة.
- وتأريخُ دخول «الكتب الأربعة» إلى منهج الامتحانات الصينية (من عام 1313م) يتبع
[1] الطُّرفة من رواية شيشرون (Cicero) في كتابه “في الخطابة” (De Oratore).









