الدواوين المستحيلة
كيف ساس الصحابة أكبر وأعدل دولة في التاريخ من أرمينيا إلى إفريقيا
لحسن موارده جشمناه ما جشمناه
رُوي أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- لما قدم الشام على معاوية ساءه ما رآه من فخامة موكبه واحتجابه عن الناس،
فقال له: يا معاوية، أنت صاحب الموكب آنفا مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟
قال معاوية: نعم يا أمير المؤمنين.
قال عمر: ولم ذاك؟
قال معاوية: لأنا في بلد لا نمتنع فيها من جواسيس العدوّ ولا بدّ لهم مما يرهبهم من هيبة السلطان، فإن أمرتني بذلك أقمت عليه، وإن نهيتني عنه انتهيت.
فقال له عمر: لئن كان الذي تقول حقا فإنه رأي أريب؛ وإن كان باطلا خدعة أديب، وما آمرك به ولا أنهاك عنه.
فقال عبد الرحمن بن عوف: لحسن ما صدر هذا الفتى عما أوردته فيه!
فقال عمر : لحسن موارده جشّمناه ما جشّمناه.
بن عبد ربه، العقد الفريد - كتاب الؤلؤة في السلطان
وقف البروفيسور روي كساجراندا (Roy Casagranda) المحاضر البارع في التاريخ، يتحدث عن العبقرية العسكرية لخالد بن الوليد، في محاضرة تخطى عدد مشاهداتها على اليوتيوب ثلاثة ملايين مشاهدة. وأشهد أنني لم أسمع رجلًا تحدث عن عبقرية خالد – رضي الله عنه- بأحسن مما تحدث به هذا الرجل. إلا أن الحديث عن عبقرية خالد العسكرية ليس جديدًا، بل لعله أقدم من إسلام خالد نفسه.
أما هذا المقال، فأتحدث فيه عن عبقرية الصحابة بالجملة في السياسة والإدارة بمفهومها العام، العبقرية التي مكنتهم من حكم دولة مترامية الأطراف تتكون اليوم من أكثر من ٢٥ دولة قومية حديثة، من أرمينيا إلى إفريقيا (تونس الحالية). إن هذه العبقرية السياسية العربية الأصيلة لم تكن تقل بأي حال من الأحوال عن عبقرية خالد العسكرية، بل إن عبقرية خالد العسكرية لم تكن سوى تقطير لهذه العبقرية الشاملة لتظهر في شخص واحد.
فإن كان خالد قد استطاع الانتصار على جيوش أكبر إمبراطوريتين في زمنه، وأحيانًا مجتمعتين، بأعداد تفوق ما كان تحته بأضعاف مضاعفة، فقد استطاع قادة الصحابة حكم وسياسة كل ما كانت تلك الإمبراطوريتان تحكمه من شعوب وقبائل مختلفة الأمزجة والثقافات والأديان والتقاليد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لقد تمتع الصحابة – رضوان الله عليهم – بحكمة سياسية عملية بالغة اكتسبوها حتى قبل إسلامهم، ذلك أنهم سُقوا تلك الحكمة قطرة قطرة من أيام العرب وآدابهم، ثم جاء الإسلام، فطهر نفوسهم وهذب أخلاقهم، حتى أصبحوا أحكم ساسة وأعدل حكام.
وربما يمكننا تلخيص عبقرية الصحابة في الحكم والسياسة في خصلتين اثنين، الحكمة العملية الصارمة واليد الخفيفة المرنة. تمثلت الأولى في سياستهم الحاسمة في اتخاذ كل ما يلزم من تدابير سياسية ومؤسسية تقضي بها الضرورة الآنية لتحقيق المصلحة العاجلة والآجلة دون تردد أو تفلسف أو تقعر زائد. وتمثلت الثانية في فهمهم السريع والدقيق لأحوال الأمم والشعوب المفتوحة التي وقعت لتوها تحت حكمهم بتبايناتها الضخمة، وعدم تدخلهم العنيف أو الفج لتغيير أنماط تنظيم هذه الأمم والشعوب الاجتماعية والاقتصادية. فقد أبقوا في كل قطر أو مصر أو إقليم ما كان قائمًا به من الأنظمة واللغات والأديان والثقافات، وحكموها جميعا بيد خفيفة مرنة تسوس كل قوم بما يعرفون ويألفون، مع الحرص البالغ على إقامة العدل.
فعندما كثر مال الدولة وكثر الجند وتفرقوا في الأمصار والأقاليم، أصبح من الضروري تبني ترتيبات إدارية تضمن تسجيل هؤلاء المجاهدين وحقوقهم المالية وعطاءاتهم، فاستشار عمر الناس، فأشار عليه أحد الصحابة ممن رجعوا من الشام بأن الروم قد دونوا ديوانًا وجندوا جنودًا، فاستحسن عمر الأمر. وعلى الفور دعا ثلاثة من الصحابة الخبراء في الأنساب، هم عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وأمرهم أن يكتبوا الناس بترتيب أنسابهم بحيث قرابتهم للنبي – صلى الله عليه وسلم. وهذا إجراء إداري سياسي لم يعرفه العرب حتى ذلك اليوم. وهكذا تم الأمر، في يوم واحد، بقرار عملي واحد، بعد مشاورة يسيرة، فلم يخرج أحد يتفلسف ويقول، هذه الدواوين لا تتوافق مع الشريعة أو أنها تتعارض مع تقاليد العرب الراسخة أو كتب كتابًا أسماه “الدواوين المستحيلة” لينظر بأن هذه الدواوين ستفسد على الناس أخلاقهم ونقاء أرواحهم، ولم يجلس الصحابة في مجالس مطولة لساعات ليناقشوا هذا الإجراء وتأثيره على مستقبل الأمة .... إلخ.
كذلك نجد نفس هذه الحكمة العملية السريعة الحاسمة في قرار جعل أرض السواد (العراق) فيئًا، وأن لا تقسم بين الفاتحين، فلتبقى في أيدي أصحابها الأصليين يزرعونها كما خبروها، ثم يؤدوا للدولة خراجها كل عام. وكذلك قرار تمصير الأمصار في العراق ومصر، على خلاف الشام. فقد رأى الصحابة المصلحة في بناء مدن مستقلة للعسكر الفاتحين يعيشون فيها مثل البصرة والكوفة في العراق والفسطاط في مصر، بينما لم يفعلوا ذلك في الشام حيث عاش الفاتحين في مدن الشام القديمة مثل دمشق وحلب وقنسرين ... إلخ. ولعل هذا كان لاتساع رقعة العراق ومصر وإمكانية بناء مدن جديدة باستمرار على أنهارهما الواسعة، بينما كان ذلك متعذرًا في الشام. وفي هذا الإطار يمكننا أن نفهم حكمة معاوية رضي الله عنه التي أوردناها في أول كلامنا، فمعاوية وجنده كانوا مختلطين بأهل البلاد الأصليين والوافدين عليهم من كافة الأقطار، ومنهم بالطبع جواسيس وعيون ينقلون ما يرون ويسمعون. وكان ذلك بخلاف الحال في الكوفة والبصرة والفسطاط، المدن التي كان جل أهلها من العرب الفاتحين، ولذلك فهي أبعد عن أن يدخلها العيون ويرتاحون فيها ويختفون في أهلها.
وأما أعظم صور هذه الحكمة العملية، هي تولية الأمر لأهله، أو بمصطلحات عصرنا، استعمال الكفاءات وتقدير الخبرة والكياسة في الإمارة أكثر من أي صفة أخرى. وانظر إلى قادة الفتح وأمراء الأمصار والولايات، الذين لم يُنظر في توليتهم إلى نسب أو حتى سابقة في الإسلام، وإنما كان دومًا النظر في القدرة والكفاءة. فلم تكن هذه العبارة المنسوبة لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في وصف معاوية، مجرد كلمة قالها: “لحسن موارده جشمناه ما جشمناه”، بل كانت منهج عام ومعيار أساسي يتم بموجبه انتقاء المواهب والخبرات وتحميلها أمانة سياسة الناس.
أما الخصلة الثانية، والمستمدة من الأولى، فقد كانت اليد الخفيفة المرنة في حكم وسياسة البلاد المفتوحة. فلم يحكم الصحابة كل هذه البلاد الشاسعة من تونس إلى أرمينيا بنموذج سياسي وإداري واحد صارم، بل أبقوا في كل بلد على ما عرفه أهلها من أنظمة اقتصادية واجتماعية، وحتى ثقافية، فكانت تحكم مصر بطريقة تختلف تمامًا عن الشام أو العراق، أو حتى خراسان وأرمينيا البعيدتين.
على سبيل المثال، جميعنا يعرف كيف أمٌن عمرو بن العاص – رضي الله عنه- القس بنيامين، بطريرك نصارى القبط بعد أن روعه الروم وطاردوه، ونتعلم في المدارس كيف أن هذا نموذج للتسامح والرحمة ... إلخ، وهو كذلك ولا شك. إلا أن وراء ذلك أيضًا حكمة سياسية عملية بالغة، فكيف كان سيحكم عمرو مصر، هذه البلاد الشاسعة الممتدة، بأقاليمها وقراها ومدنها، بأربعة آلاف رجل أتى بهم من جزيرة العرب!؟؟ كانت الحكمة العملية الخالصة تقتضي أن يستميل قساوسة نصارى القبط ويؤمنهم على عقيدتهم وكنائسهم وأموالهم، وفي المقابل هم من سيحكمون له كل هذه البلاد ويخضعون أهلها له. وقد كان ذلك، فكانوا هم من يجمعون الجزية من رعايا كنائسهم وينظمون شؤونهم ويضمنون ولاءهم وطاعتهم، ويتوسطون بينهم وبين حكام مصر الجدد من العرب، ولم يكونوا يريدون غير أن يُخلى بينهم وبن دينهم، في مقابل ضريبة هي في نظرهم أقل كلفة بكثير مما كانوا يدفعونه للروم. وقد كان هذا هو نظام حكم مصر من زمن الرومان، وكان نفس القساوسة والرهبان هم من يجمعون الضرائب ليؤدوها إلى حكامهم من الروم. غير أن عمرو، وهذا من فطنته العملية كذلك، صالحهم على جزية أقل بكثير من الضريبة التي كانوا يؤدونها إلى الروم، وكانوا يتهربون من معظمها ويتحايلون على منعها. فلما فرض عليهم عمرو قدرًا يستطيعون دفعه بيسر، لم يجدوا جدوى من الهروب والتحايل، بل جمعوها ودفعوها عن رضا وكرامة. كذلك أبقى عمرو على السجلات والمعاملات بينهم بلغتهم التي يعرفونها، الإغريقية والقبطية، فلم يجبرهم على التحول للعربية، وكان يكاتبهم بها في سائر شؤونهم.
وفي الشام، أبقى معاوية على نفس عمال الإدارة المسيحيين الذين كانوا يعملون للروم، وأشهرهم سرجون بن منصور الدمشقي، الذي كان من أسرة توارثت الإدارة المالية للروم في دمشق. واستعمل كذلك نصارى العرب في تلك البلاد لمعرفتهم بها وبشؤونها. وفي العراق وأرض السواد، أبقى المسلمون على نفس نظام الإدارة الساساني بأنظمته ولغته ورجاله. فقد أبقى الصحابة على سبيل المثال على طبقة دهاقي القرى والمدن، طبقة التجار ورؤساء القرى والمدن والتي كانت تتمتع بالزعامة الاقتصادية والإدارية في العهد الساساني. فاستفاد الصحابة من خبراتهم ومعرفتهم العميقة ببلادهم، فاسبقوهم في مناصبهم وأقروهم على امتيازاتهم، وكانوا يقدرون ما على كل بلد وأرض من الجزية والخراج ويجمعونها من الفلاحين، تمامًا كما كانوا يفعلون أيام الفرس، مع ضبط العدل طبعًا والحفاظ على كرامة الناس.
وحيثما كانت الأرض أبعد عن المركز، كانت قبضة الحكم عليها أخف، وتحوّلت الاستمرارية إلى ما يشبه عدم التدخل. وأوضح مثال على ذلك هو أرمينيا، وهي حالة موثقة جيدًا لأن أسقفًا أرمنيًا معاصرًا، هو سيبيوس، شهدها ودوّنها. فبعد عقدٍ من الغزوات، تبلور ترتيب الحكم نحو عام 652م، في معاهدة بين معاوية، وكان حينها واليًا على الشام، وبين الأمير الأرمني الرئيس ثيودور رشتوني. وكانت شروطها أقرب إلى ميثاق عربي قديم للولاء بين الجيران منها إلى ضمٍّ مباشر. حيث اصطُلح على أن يدفع الأرمن جزية سنوية ويحظون بالحماية، وفي المقابل يحتفظون بدينهم، واستقلالهم الداخلي، وميليشياتهم الإقطاعية الخاصة، ولا تُقام بينهم حامية عربية، ولا يُستدعون للقتال إلا ضد بيزنطة، وفقط عند الطلب. أما السادة المحليون، أي النَّخَرار، فقد احتفظوا بالامتيازات التي كانت لهم في ظل الفرس. وكانت خراسان، التي لم تُخضع إلا في نهاية هذه الفترة، محكومة بالطريقة نفسها، رقعة من الاتفاقات ذات الجزية الثابتة مع السادة المحليين، الذين كانوا يتولون جمعها وتوريدها، من دون أن تقيم بينهم أي حامية إسلامية.
وعلى ذلك، فعلى خلاف تنظير د. المسيري المنطقي الجامد، كان النموذج الحاكم هو غياب النموذج، كانت مصر تساس كمصر، والعراق كالعراق، وخرسان كخرسان، بنفس أنظمة كل منها الاقتصادية والإدارية الموروثة، وبنفس النخب السابقة الباقية، وبحسب شروط الصلح أو الاستسلام التي عقدها أهل البلاد المفتوحة مع الفاتحين المنتصرين، وكان هذا ما تطلبته الحكمة العملية. وكان كل ما يجمع هذا تحت دولة واحدة وخليفة واحد، ولاء الفاتحين وبيعتهم لخليفة واحد، وعدم اشتغالهم بشيء إلا بالدفاع والذود عن هذه الأقطار المفتوحة، نظير عطاء ثابت يأخذونه من بيت المال مدون في الدواوين التي استعار عمر فكرتها من الإمبراطوريات المفتوحة ونظم إدارتها.
إلا أن تلك الحكمة السياسية العملية، لا يجب أن تصرفنا عن مبدأ بالغ الأهمية في سياسة الصحابة، ولعله هو الذي أبقى ملكهم وبسطه على كل تلك البلاد، ألا وهو الحكم بالعدل. إلا أن التفصيل في ذلك المبدأ وكيف كان تطبيقه يستلزم مقالًا آخر لتفصيله وأهميته.
غير أن ما يعنينا هنا، قبل تفصيل مسألة العدل، أن ندرك أن دولة الفتح الأولى لم تقم على نماذج معرفية مستقلة، ولا على نظريات محكمة، ولا على نموذج إداري صلب يُنسخ من إقليم إلى إقليم، وإنما قامت على رجال امتلكوا ميزانًا نادرًا بين الحسم والمرونة، وبين الهيبة والرفق، وبين حفظ سلطان الدولة وترك الناس على ما يعرفون من معاشهم ودينهم وأعرافهم. كانت عبقريتهم أنهم لم يحاولوا أن يصنعوا من مصر عراقًا، ولا من أرمينيا شامًا، ولا من خراسان حجازًا، ولم يجلسوا للتنظير والفلسفة، بل حكموا كل أرض بما يصلحها، وربطوا هذا كله بولاء سياسي واحد، ومالية منضبطة، وجند معلوم، وعدل لا يستقيم الملك بدونه. ولهذا لم تكن “الدواوين المستحيلة” مستحيلة إلا في عقول من ظنوا أن السياسة تبدأ من النموذج وتنتهي عند الواقع، بينما علّمنا الصحابة أن السياسة الراشدة تبدأ من الواقع، ثم ترفعه بالحكمة والعدل إلى ما ينبغي أن يكون. وأن الشريعة ليست مفهومًا طهورًا مجردًا عن واقع الناس، بل قانون عملي للابد من إنزاله على حياة الناس بمختلف ثقافاتهم وتنظيماتهم السياسية والاجتماعية لتصلحها دون أن تكسرها، وتضبطها دون أن تخضعها بالقوة لنموذج نظري مثالي متخيل، لابد وأن يظل مستحيلًا.

